الغزالي
44
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
العين الثانية معرفة النفس الأخير اعلم يا سلطان العالم أن بني آدم طائفتان : طائفة نظروا إلى شاهد حال الدّنيا وتمسّكوا بتأميل العمر الطويل ، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم لينظروا إلى ما ذا يكون مصيرهم وكيف يخرجون من الدّنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم ، وما الذي ينزل معهم من الدّنيا في قبورهم ، وما الذي يتركونه لأعدائهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله . وهذه الفكرة واجبة على الخلق ، وهي على الملوك وأهل الدّنيا أوجب ؛ لأنهم كثيرا أزعجوا قلوب الخلائق ، وأنفذوا إلى الناس الغلمان بالسيئات ، وأفزعوا الخليقة وأدخلوا في قلوبهم الرعب ؛ فإن بحضرة الحق تعالى غلاما اسمه عزرائيل لا مهرب لأحد من مطالبته وتشتيته ؛ وكل موكلي الملوك يأخذون جعلهم ذهبا وفضة وطعاما ، وصاحب هذا التوكيل لا يأخذ سوى الروح جعلا . وسائر موكلي السلاطين تنفع عندهم الشفاعة ، وهذا الموكل لا تنفع عنده شفاعة شافع . وجميع الموكلين يمهلون من يوكلون إليه اليوم والليلة والساعة ، وهذا الموكل لا يمهل نفسا واحدا . وعجائب أحواله كثيرة ، إلّا أنّا نذكر من أحواله خمس حكايات : الحكاية الأولى : وهو ما رواه وهب بن منبه ، وكان من علماء اليهود وأسلم ، روى أنه كان ملك عظيم أراد أن يركب يوما في جملة أهل مملكته ويري الخلق عجائبه وزينته ، فأمر أمراءه وحجابه وكبراء دولته رتبة بالركوب ليظهر للناس سلطنته ، فأمر بإحضار فاخر الثياب ، وأمر بعرض خيوله المعروفة وعتاقه الموصوفة ، فاختار من جملتها جوادا يعرف بالسبق ، فركبه بالمركب والطوق المرصّع بالجوهر ، وجعل يركض الحصان في عسكره ، ويفتخر بتيهه وتجبّره ، فجاء إبليس فوضع فمه في منخره ونفخ هواء الكبر في أنف أنفته ، فقال في نفسه : من في العالم مثلي ؟ وجعل يركض بالكبرياء ، ويزهو بالخيلاء ، ولا ينظر إلى أحد من تيهه وكبره ، وعجبه وفخره ، فوقف بين يديه رجل عليه ثياب رثّة ، فسلّم عليه فلم يردّ عليه سلامه ، فقبض على عنان فرسه ، فقال له الملك : ارفع يدك فإنك لا تدري بعنان من قد أمسكت ! فقال : لي إليك حاجة . فقال : اصبر حتى أنزل . فقال : حاجتي في هذه الساعة إليك لا عند نزولك . فقال :